محمد حسين علي الصغير

123

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

ج - وقد يراد بالمنهج التاريخي غير هذا وذاك مع مناقشتنا للأول ، وإقرارنا للثاني ، بل يراد به تفسير القرآن باعتبارات تاريخية تنظر إلى الأمة التي نزل فيها وإلى لغة تلك الأمة ، وكيف طور هذا القرآن من دلالاتها اللغوية فأكسبها تصرفا جديدا تلقاه المستعملون لهذه اللغة بالقبول والتطوير ، فكانت اللغة أداة للتعبير عن قيم وحضارات لا يمكن تجاهلها وهذا ما يميل إليه الدكتور السيد أحمد خليل ، ويدافع عنه بقوله : « من هنا كان التفسير التاريخي أمرا تقتضيه طبيعة التطور ، وتلزم به تلك النقلات الكبيرة التي تعرضت لها العربية في تاريخها الطويل ، وبهذا التفسير التاريخي نستطيع أن ندرك الأسباب ، ونشخص العوامل التي أدت إلى وجود تيارات متقابلة في عملية التفسير نفسها ، من متشدد إلى متحرر ، أو بعبارة أخرى من وقوف عند التفسير بالمأثور إلى تحرر تقضي به طبيعة التفسير اللغوي لتلك اللغة التي نزل بها القرآن » « 1 » . وهو بهذا يريد فهما جديدا للقرآن على أساس تطور اللغة العربية في مراحلها التاريخية ما دام القرآن قد نزل بلسان عربي مبين ، وما دام فهمه يتوقف على فهم هذه اللغة فهما بعيدا عن مشاكل الاختلاف والاجتهاد والرواية ، فكأنه ينحو بهذا المنحى إلى إدراك النظرة التاريخية للغة العربية في مراحل تطورها لأن ذلك من الأسباب الفاعلة في استكناه المعاني ، وتغيير دلالاتها مدى العصور التي مرت على القرآن تاريخيا ، فكما يدرك هذا التغيير الزمني الذي مرّ باللغة ، فكذلك تفهم معاني القرآن بأسرارها الجمالية على النحو الذي أدركنا به تطور هذه اللغة فعاد فهم النص القرآني مرتبطا بهذا التطور الذي حدث باللغة العربية من جميع الوجوه « ويراد بهذه التاريخية أن يلاحظ المفسر كيف تلقى الناس قبله هذا النص ، وكيف فهموه واستنبطوه ، وكيف طبقوا أحكامه وشرائعه وكيف وقفوا بين عروف البينات التي انتقل إليها ، وبين هذه الأحكام . ولا جدال في أن هذه التاريخية تقتضي أشياء كثيرة أهمها دراسة حياة المجتمعات الاسلامية في عصورها الأولى » « 2 » .

--> ( 1 ) السيد أحمد خليل ، دراسات في القرآن : 16 . ( 2 ) المصدر نفسه : 15 .